الفكرة والنشأة

  

يتضمن هذا الكتيب –الوثيقة- بشيء من التفصيل قصة المبادرة التاريخية التي أطلقها المرحوم سليمان عرار الأمين العام المؤسس لحزب المستقبل وحزبه بالدعوة إلى عقد المؤتمر العام للأحزاب العربية في العاصمة الأردنية عمان في 16-18 كانون الثاني (ديسمبر) 1996. وقد كان السيد عبد العزيز السيد المنسق العام للمؤتمر قد سجل هذه الوقائع في حينه في أعداد جريدة المستقبل التي صدرت إبان فترة انعقاد المؤتمر، حيث ألقى فيها الضوء على المؤتمر منذ كان فكرة وحتى انعقاده، والمراحل التي مر بها الاستعداد والإعداد للمؤتمر.

وقد رأينا أن نصدر هذه المقالات بين دفتي هذا الكتيب كوثيقة نضعها بين أيدي الأحزاب، ولا سيما التي لم تتيسر دعوتها للمؤتمر الأول من جهة، وللمهتمين والمتابعين للعمل السياسي والحزبي العربي، من باحثين ودارسين، من جهة أخرى.

سائلين المولى تعالى أن يكلل مسعى أحزابنا العربية في التنسيق والتضافر فيما بينها لما فيه تحقيق شعار مؤتمرها "نحو تضامن وعمل عربي شعبي مشترك" خدمة لأهداف أمتنا، وطموحات شعوبنا، وآمال أجيالنا في حاضر أفضل، ومستقبل أسعد، نستعيد فيه مكانتنا اللائقة بين أمم الأرض ونحن ندلف إلى قرن جديد لا مكان فيه إلا للأمم التي، تعمل البصر والبصيرة، وتدرك الغاية وحسن الوسيلة.

وعلى الله قصد السبيل

عمان 1/11/1999
أ.د. إسحق الفرحان
الأمـين الـعـام المساعد

ذات يوم من شهر كانون أول (ديسمبر) من عام 1987 دار بيني وبين الصديق الكويتي أستاذ التاريخ في جامعة الكويت الدكتور عبد المالك التميمي حديث حول الشأن العربي المائل إلى الهوان، الملفع بسحب اليأس –كما قيمناه في حينه- وكان خلاصة ما قاله "أن القضية الفلسطينية ستظل حتى نهاية القرن –على الأقل- محرك الأحداث ومحورها في المحيط العربي". ومثل هذا التقييم كان أيضاً في أمسية ضمت نخبة من المفكرين والمثقفين العرب في ديوانية الصديق الكويتي العروبي التقدمي عامر التميمي، التي كانت منتدى فكرياً يناقش فيه روادها قضايا الأمة، وهم بالفعل نخبة من العقول العربية المستنيرة التي كانت تحفل بهم الكويت في مناخ ديمقراطي منفتح على تعددية شعبية راقية السوية، وكان صاحب الحديث يومها المفكر العربي الأخ د. عبد العظيم أنس. وقد تبادلنا الحديث حول أنّ الأوان قد حان لكي تنهد طائفة من الحكماء والمفكرين من أبناء الأمة إلى لقاء يتدارسون فيه حال الأمة، لعلهم يرسمون لها مشروعاً نهضوياً حديثاً، أو قل إطاراً لنظرية فكرية معاصرة، تستخلص من واقع إخفاقات المدارس الفكرية العربية على امتداد العقود الفائتة، وتستلهم إرهاصات المستقبل مع معطيات الحاضر.

وفي يوم من مطالع شهر كانون الثاني 1996، كان لي مع الأخ الأعز سليمان عرار، أمين عام حزب المستقبل، لقاء جرى الحديث فيه تساؤلاً عن عجز الأداء الحزبي العربي بعامة في تمثل ما استقر في ذهن العامة من أهداف عظام، بدا وكأنها تطامنت حتى في مجرد الخطاب الحزبي، وخفتت فلا نكاد نسمع لها ركزاً، وجاءت حكومة نتنياهو تعلن، بعالي صوتها، إنكارها حتى للحدود الدنيا التي ارتضتها جل الرسمية العربية. كان صوت نتنياهو صرخة ذئب جائع، يندفع مصمما على التهام الفريسة العربية، أرضاً وحقاً وإنساناً، غير عابئ بما التزم به سلفه –وما أقله- الأمر الذي حدا بمؤسسة القمة العربية إلى التململ من رقدة الكهف الذي وضعتها فيه أحداث الكويت وحرب الخليج الثانية، فانعقدت في لحظة من تحسس لجدية الخطر الليكودي، وتلك خطوة على ضآلتها، مثلت نقطة ضوء في حلكة الليل العربي البهيم.

ولعلها حرّكت في نفوس الغيارى من أهل الفكر والرأي، الذين يحسون بالمسئولية تجاه أوطانهم، الشعور القوي بأن لا بد من استنفار القوى الحية الفاعلة في الأمة للعمل. وكان من هؤلاء –وللتاريخ أقول- وفي طليعتهم سليمان عرار.. ففي يوم من مطلع شهر تموز (يوليو) 1996 طرح علي بحماس المؤمن، وهمة الفدائي، أنه قد آن الأوان للأحزاب العربية أن تخرج من قوقعة تسجيل المواقف التي لم يعد لها عند الجماهير صدى، بعد عقود طوال من تاريخ العمل الحزبي العربي، ولم يكن أبو محمد ليبالغ في تقدير إمكاناته وحجم أدواته في التعبير، بل كان يتواضع في تقديرها، لكنه كان يدرك عمق حجم مخزون الطاقة في الشعب العربي، وأنها طاقة في حاجة إلى من يبعثها من مرقدها مع ما ينسجم مع روح العصر..

في ذلك اللقاء، كان أبو محمد راغباً وعازماً على خوض المغامرة من موقع المسؤولية التي يلقيها عليه الشعار الذي طرحه حينما خاض الانتخابات البرلمانية الأولى بعد عودة الديمقراطية عام 1989، وهو نفسه الشعار الذي اتخذه فيما بعد شعاراً مركزياً لحزبه: "أردنيون من أجل الأردن، وفلسطينيون من أجل فلسطين، وعرب من أجل كل العرب" وهو شعار جليل ونبيل، والممارسة الحقة له، تحكمها الظروف والإمكانات.

ولقد سبق أن مارسه الحزب، حين تميز بين الأحزاب العربية كافة في قضية التطبيع، حيث لم يكتف بإصدار بيان، بل أصدر دراسة علمية تحليلية تظل –فيما أرى- وثيقة تبصرة لمن شاء، أن يواجه مسألة التطبيع عن إيمان واقتناع، بعيداً عن دغدغة العواطف.

في ذلك اليوم حزم عرار أمره بأن لابد للأحزاب العربية، حتى تكون بالفعل قيادات شعبية، طليعية وريادية من أن تلتقي لتتدارس حال الأمة. ومع إدراكه لحقيقة أن الوحدة بين الأحزاب هي ضرب من عبث المحال، بل هي إلغاء لطبيعة العمل الحزبي نفسه، إلا أنه رأى أن الأحزاب، التي لكل منها بالضرورة رأي فيما يعتور الأمة، تستطيع إن اجتمعت، بل ويجب أن تستطيع، الالتقاء على العام الذي يخدمها كأحزاب، ويخدم  الأمة بعامة، بل ويخدم، حتى مؤسسات الحكم، إزاء الخطر الذي قد يدهم الجميع معاً. الحديث مع الأخ أبي محمد أعاد إلى ذهني ما دار مع كل من د.التميمي ود.عبد العظيم.. ستظل قضية فلسطين، أو قل الاغتصاب الصهيوني محرك كل حدث عربي، ومحدداً لمسيرة ومستقبل الأمة، ليس لنهاية هذا القرن فحسب، بل ولعقود، ربما طوال، من القرن الجديد.

 لكن الدرب أمام مبادرة عرار لم يكن فيما بدا ممهداً. بحث أمين عام حزب المستقبل والفريق الذي يقف خلفه دراسة وسائل الإعداد لمؤتمر الأحزاب العربية، والخطوات المطلوبة لضمان انعقاده... ولا أقول إنجاحه.. ذلك أن مجرد الانعقاد بدا في حد ذاته ضرباً من النجاح.. وقد برز أمامهم سؤال محوري، ثم ثلاثة أسئلة، كان لا بد من الإجابة عنها قبل وضع الأقدام على الدرب.

السؤال المركزي كان، أي الأحزاب ندعو؟ إذ الأحزاب العربية لا تقتصر على قوس قزح تأتلف أطيافه وتختلف في انحناءات القوس نفسه، بل هي، كما يعلم الجميع، أقواس وأطياف أشتات، فهي بين حاكمة أو خارج الحكم، وبين موالية للحكم أو معارضة، وبين اليمين واليسار والوسط وما بينها، وهي مجازة عاملة في ظل شرعية الحكم –على تباين الرؤية لهذه الشرعيات- أو أخرى غير مجازة لكنها تعمل تحت مظلات مقبولة، النظر عنها غضيض، كالمنابر والجماعات والأطر النقابية ونحوها، أو هي محظورة مطاردة تتقي بأس السلطة أو حيفها بالعمل تحت الأرض، إلى غير ذلك من الأطياف وتلاوين الأطياف... وبعد تمحيصٍ للأمر من جوانبه كافة، واحتكاماً للهدف الأسمى المتمثل في إرساء خطوة الأساس على الممكن من أرض الواقع العربي الهش، حسم الأمر بالاقتصار على الأحزاب العاملة في الأقطار العربية من المشرق إلى المغرب، أياً كان موقع هذه الأحزاب ودورها وحجم نشاطها في مواطنها، أفي الحكم هي أم في المعارضة أم بين بين، فذلك حقها المشروع الذي يحكمه جهدها وسعيها لتحقيق برامجها وأهدافها...

وبذلك انتقل البحث من الإجابة عن السؤال المركزي للإجابة الأول: ماذا سيكون موقف الأحزاب من الدعوة؟ وذلك يستدعي أن يقال لها "لماذا هذه الدعوة".. هدف هذه الدعوة في ذهن الداعي، شخصاً وفريقاً ثم حزباً، واضح جلي، هو السعي إلى إخراج الجماهير من وهدة اليأس والإحباط والعجز، وما ذلك إلا بالتضامن العربي والعمل العربي المشترك ولذلك جناحاه –المهيضان حالياً- الرسمي والشعبي، وبالضرورة فإن عاقبة أحدهما تعين الآخر على التحليق، والأحزاب ينبغي أن تبدأ بنفسها أولاً، ولذلك تحدد الشعار الذي ستدعي الأحزاب لعقد مؤتمرها تحت مظلته وهو: "نحو تضامن وعمل عربي شعبي مشترك".

وحين شرعنا في إجراء الاتصالات بالأحزاب –كان الظن في حينه أن الأمر سهل- ظهر لنا أن الأمر بخلاف ذلك، فما من حزب اتصلنا به في قطر ما، وبالمطلق، تتوافر لديه عناوين الأحزاب في قطره جميعاً، وقد خيّل إلينا أن الذين اتصلنا بهم زودونا بأسماء القريبين منهم فحسب، بيد أنه استبان لنا أن الأمر في حالات عديدة ليس كذلك، وكأنما بعض الأحزاب ليست معنية بغير تلك التي تتقارب معها ولجأنا إلى الجهات المعنية بشئون الأحزاب كوزارات الداخلية والبرلمانات، في أكثر من قطر، فأفادنا البعض وتوجس البعض الآخر، ولم يجب بعض ثالث، لكن في الحالات جميعاً جاءت الردود وئيدة الخطى متثاقلة أحياناً، والمعلومات في بعض الأحيان "العناوين والهواتف والفاكسات وأسماء المسئولين" غير محدثة.

تلك كانت عقبة لا أقول إنها كانت كؤوداً، لكنها استنزفت من الوقت طويلاً، ومع أنها تدعو للرثاء، إلا أنها جعلتنا نضع نصب أعيننا أن من المفيد حقاً المبادرة إلى وضع "دليل للأحزاب العربية" وهو أول إصدار بادر إلى إنجازه مكتب الأمانة العامة وإصداره فور تأسيسها.

وبعد أن توافرت لدينا أسماء وعناوين أربعين حزباً في عشرة أقطار عربية، شرعنا في مخاطبتها داعين إلى التلاقي.. كانت بعض الاستجابات سريعة وبعضها بطيئة وبعضها لم تصل، والتمسنا العذر فللناس ظروفهم ومشاغلهم، فضلاً عن شعور خفيف بأن ظلال تشابك الانتماء والعلاقات والتداخلات والولاءات السياسية كانت تشي بإيحاءات معينة، لكن غير كثيفة، أحياناً.

وهذه أمور نقدرها ونراها من طبيعة الأشياء فلا ننكرها، بيد أن الردود في مجملها كانت أكثر من مشجعة، جادت علينا بدفء الحماس، وأفاءت بوارف الأمل ورهج التفاؤل، ولها ندين في مواصلة الانتقال إلى السؤال الثاني

الردود التي تلقاها أمين عام حزب المستقبل حملت مشاعر تبعث على الدهشة والانبهار، ولا يتسع المقام لإدراجها، لكن كنماذج منها نورد بعض العبارات "نشكركم على هذه المبادرة غير المسبوقة التي جاءت في لحظة دقيقة من اللحظات المصيرية للأمة.. لقد تصديتم لموضوع طال انتظارنا له.. نثمن لكم قيامكم بعبء الدعوة نيابة عن أحزاب الأمة.. لقد وضعتم يدكم على جرح الأمة الكبير فقضايا الأمة الكبرى لا يمكن معالجتها إلا بمثل هذا المؤتمر.. لقد منحتم الأحزاب العربية لأول مرة في تاريخها فرصة أن تكون أو لا تكون" وغير ذلك كثير. طبعاً ما من رسالة وصلت إلا وكان الحزب مرسلها يعبر عن كامل الاستعداد للمساهمة بأقصى جهد ممكن لإنجاح المؤتمر، ويضع نفسه تحت تصرف الحزب.. الانطباع العام الذي تولد لدينا أن الأحزاب العربية جميعاً كانت تعي وتدرك جيداً وبعمق مسيس الحاجة لالتئام الشمل الحزبي العربي. إنما يحول دون المحاولة الشعور بحجم المغامرة، والخوف، إن لم أقل الرعب، من عقابيل الفشل الأكثر احتمالاً.. لكن الجميع كان ينتظر من يعلق الجرس، والغالبية على استعداد للمعاونة في قرعه، وكان فهمنا لهذا حافزاً على المزيد من التروي في بحث احتمالات الفشل، لا للنكوص عن الفكرة، وإنما للتفكير في أساليب اجتراح سبل تلافي الفشل، وتعظيم احتمالات النجاح.. لذلك انطلق أبو محمد إلى بحث مسألة التمويل، وكان القرار قاطعاً وحاسماً أن يكون التمويل من قبل الحزب أولاً ومن أصدقائه في القطاع الخاص ثانياً وأخيراً، وأن لا يلجأ فيه إلى أية جهة رسمية حتى لا يساء التأويل، إذ أن معظم المؤتمرات العربية لتي بهذا الحجم كان يطالها، همساً أو جهراً، وإلى حد التشهير أحياناً، أنها ممولة من هذه الحكومة أو تلك، ولا سيما حين يرافقها البذخ، وحتى لو كانت المؤتمرات منعقدة لأهداف هي من سمو القصد بمكان عال، فإن المزاج الشعبي اعتاد النظر بعين الريبة لما ترعاه الحكومات وتنفق عليه من مؤتمرات، وقد آثر عرار أن يحك جلده بظفره. بداية استقر الرأي أن تكون تذاكر سفر المشاركين على نفقتهم مع السعي للحصول على تخفيضات مناسبة من الملكية الأردنية وهذا ما كان، ثم كانت الخطوة التالية تحديد إسهامات قيادة الحزب وكوادره، وهي من موقع علمي، خلافاً لما وقر في أذهان الكثيرين، متواضعة إذا ما استثنينا بضعة نفر وما يقدمه أمين عام الحزب لتغطية الالتزامات والنفقات الجارية، وهو الجزء الأكبر، لكن لهذا المشروع تنافس المتنافسون، إلا أن ما قدموه ما كان كافياً لتغطية التكاليف التقديرية، فتقرر أن يلجأ الحزب إلى عدد من المؤسسات الاقتصادية الوطنية التي توسم في مجالس إدارتها النخوة والحمية لما فيه خدمة سمعة الوطن، وكان أن استجابت جميعاً.

وهكذا صار واضحاً أن بالإمكان تغطية احتياجات المؤتمر المالية بما يسد الرمق، بقناعة لا تجنح إلى البذخ، عندها.. وقبل أن يتم أخذ أي مبلغ من أي متبرع.. أصبح بالإمكان استمزاج رأي الحكومة التي لا بد من أخذ موافقتها على اجتماع هذه القوى السياسية المتباينة على أرضها.

 بعد أن استيقن الأخ سليمان عرار من أن الطريق إلى تمويل المؤتمر ذاتياً وشعبياً أصبح ممهداً، بادر إلى الاتصال بالحكومة طارحاً قرار الحزب بالدعوة إلى عقد المؤتمر، وشارحاً ما قطعه من خطوات، وما تلقاه من ترحيب بهذه الخطوة التاريخية بحيث يعتبر انعقاده في الأردن شرفاً ذا دلالات على المكانة التي يحظى بها الأردن في عيون العرب، وعلى الثقة بما يتوافر على أرضه من مساحة للديمقراطية تتسع بصفاء لاحتضان تلاوين الفكر والرأي السياسي العربي، وتمنى أن يكون الأردن الرسمي عند حسن هذا الظن العربي الشامل، ليلتقي الأردن الرسمي والشعبي معاً، متضافرين لكي تطلع هذه الإشراقة العربية بهية وضيئة، فتسجل في تاريخ الأردن كما سيدونها التاريخ السياسي العربي كذلك. ولم يطل الرد، إذ جاء بعد ثمان وأربعين ساعة على لسان رئيس الحكومة يبلغ الترحيب والموافقة، فيما يعرب عن ثقل العبء وضخامة المستلزمات، فهو عمل تنوء به العصبة لا من الرجال فحسب، وإنما من المؤسسات أيضاً. وكان هذا الإعراب في مكانه الصحيح، فليس من اليسير أبداً أن تهيء لعشرات الوفود من المحيط إلى الخليج أمور الاستضافة المكللة بالعناية، والاهتمام الذي يوفر للضيف مناخاً تتسنى له فيه المشاركة الفعالية بغير عناء، وتلك أمور تدركها الحكومات وتدركها المؤسسات التي سبق أن استضافت مؤتمرات.. ومع أن حزب المستقبل من حداثة العمر بحيث لم يكن له سابق عهد بتنظيم هكذا مؤتمرات إلا أن الأمين العام شكر للدولة حسن ما أبدته من استعداد للتسهيلات اللازمة، وأصر على أن يقوم الحزب وحده بالأعباء كافة، على نحو ما أسلفنا، معتمداً على خبرة أمينه العام ونفر من زملائه ممن كانت لهم في هذا الميدان تجارب كافية، وقد عاد عرار من لقاء رئيس الحكومة مغتبطاً بأن جلال الملك قد أعطى للفكرة حقها وقدرها وعبرت رعايته للمؤتمر، فيما عبرت، عن حرص على نجاحها وإنجاحها، وتلك دفعة حثيثة لفكرة المؤتمر.

هذه الرحلة استغرقت نحو مئة يوم، وحتى الآن لم يكن الحديث مع الأحزاب الأردنية الشقيقة حول المؤتمر قد بدأ بعد، لكن آن أوانه.

 في أواسط تشرين (أكتوبر) 1996، دعا أمين عام حزب المستقبل زملاءه الأمناء العامين للأحزاب الأردنية إلى لقاء في مقر الحزب لم يستثن إلا حزباً مجاهراً بالتطبيع مع العدو الصهيوني وداعياً له، لم يعتذر عن الحضور أحد، لكن الذين حضروا مثلوا (18 حزباً وأجير لنفسي القول، أن الأحزاب الأهم أو الأبرز كانوا جميعاً حاضرين.

بهدوئه المعروف وتبسطه وانفتاحه الذي لا تنقصه سمات الصراحة والوضوح، طرح أبو محمد الفكرة، وأبلغ المجتمعين أنه ما رغب في أن يفاتحهم بالفكرة قبل أن يطمئن إلى أنه أزاح –أو باستطاعته أن يزيح- من الطريق أي عقبات محتملة، حتى لا يشركهم في هموم هم عنها في غنى.. ذكى لهم تفاصيل ما أنجز حتى حينه، وثانياً، قال لزملائه، إنه يرغب، إن نجح المؤتمر، أن تكون الأحزاب الأردنية شريكة في نجاحه، وإن لا سمح الله، فشل فعليه هو وعلى حزبه الغرم دون سواهم.

ثم إن النجاح ينبغي أن يكون في التحليل الأخير، وبموضوعية، شهادة للديمقراطية الأردنية –برغم مالنا عليها من ملاحظات- ثم هو، النجاح علامة حضارية في سجل القيادة الشعبية للوطن.

الجميع أثنوا على الفكرة، ولم يكن حماسهم المعلن لها بأقل من الحماس الذي حملته ردود الأحزاب العربية.. لكن لوحظ أن ثمة رغبة أبداها عديدون بأن ينعقد المؤتمر تحت راية الأحزاب الأردنية جميعاً، واقترحت هذه الآراء أن يؤجل الموعد، والبعض رأى أن يكون ذلك التأجيل شهوراً عديدة، وطرحت مبررات لهذين المقترحين قوامها الحرص على النجاح والخشية من الفشل.. والذي أستطيع أن أطمئن إليه من التحليل أن ثمة اتجاهين: أحدهما لم يستوعب –بالقدر الكافي- العمق السياسي الذي يعنيه انعقاد المؤتمر بالنسبة للأمة وحركة جماهيرها، وبالتالي فلم يتجاوز حماسه للمبادرة حدود الحماس المشروع لتظاهرة سياسية، شأن ما تتصف به الكثير من الندوات المحلية أو العربية.. فورة خطابات ثم لا تلبث أن تخبو. والاتجاه الآخر، التقط الفكرة بحجمها الكبير، لكن رغبته الصادقة في إنجاحها كانت ممتزجة برغبته –وهي أيضاً رغبة مشروعة- في أن يكون له من شرف المبادرة نصيب.

فريق محدد، وهم من باركوا المبادرة دونما تردد، بل وبحماس، سمعتهم يقولون، في معرض شكر سليمان عرار، لو جاءت هذه الفكرة من أحزاب المعارضة، فلربما لا تستطيع أن تحصل على المباركة الرسمية وفي رأيهم لو جاءت الفكرة من أحزاب الطيف الآخر لما وجدت الحجم المناسب من الاستجابة الحزبية العربية، إذن فالفكرة جاءت من الشخص المقبول على الصعد كافة: الأحزاب العربية. والتي لم تكن منها تعرف حزب المستقبل وقائده، استفسرت أو أوضح لها فارتاحت لما سمعت عن توجهاته وتوجهات الحزب، من أنه ليس وسطياً بالمعنى التقليدي، بل حزب برامجي قومي معتدل. والأحزاب الأردنية تعرف الرجل بتاريخه ومواقفه والتزامه نحو وطنه وأمته، وتعرفه أيضاً اعتدال رأي وحصافة عقل، وتواضعاً ودماثة خلق، يعزف عن وهج تسجيل المواقف لمجرد التسجيل أو ابتغاء كسب رخيص، -ولست بهذا أقصد إلى تصنيف الآخرين- لكني أحاول أن أصف الصورة التي أعلمها من الآخرين عن عرار، وهي تقرب كثيراً من الصورة التي أعرفها عنه. الرسمية الأردنية تعرف الرجل فهو ابن مؤسستها منذ ثلث قرن، قضاها متقلباً في إداراتها؛ خبرته في الدبلوماسية (الخارجية)، وفي التنفيذية (الداخلية ونيابة الرئاسة)، وفي التشريعية (رئاسة المجلس الاستشاري ثم مجلس النواب) في كل ذلك كان الرجل فارس الموقف الجريء، بشجاعة مسؤولة لا يبتغي منها غير وجه الله والمصلحة العليا للوطن والأمة، وبالتالي فهو اليوم في موقعه من العمل الشعبي لم يخلع جلده أو يتنكب عن الدرب، فإن بدت منه معارضة في هذا الشأن أو ذاك من شؤون الوطن، فإنما هي اجتهاد مأجور.

ثم إن للأردن الرسمي مصلحة حقيقية في أن ينعقد هذا المؤتمر على ترابه.

ابتعدنا عن الاجتماع قليلاً.. فلنعد لنقول إن أبا محمد بكياسته المعهودة رحب بالآراء كافة.. وأوضح للجميع أمرين: أن هكذا عمل إن أنيط بأكثر من جهة ربما قاد إلى تضارب في الاجتهادات أو أحدث زحمة تعيق الحركة، وثانيهما أن الدعوات قد وجهت والاستجابات قد وصلت.. وآراء عاقلة قد وصلتها هذه المسألة وفهمت ما هو مأمول منها وما ينبغي عليها من المساهمة به لإنجاح المؤتمر، وبكياسته لم يغلق أبو محمد الباب بل رحب بلجنة تقترح ما تشاء وتعين بما تشاء. لكن اللجنة لم تشكل، وإن كان تمنى وجودها فعلاً...

وسارت خطى عرار حثيثة ينعقد المؤتمر في موعده.

وفي السادس عشر من كانون الأول (ديسمبر) عقد المؤتمر العام الأول للأحزاب العربية في عمان، وقد افتتحه جلالة الملك

 

 

 

تعريف المؤتمر  I الفكرة والنشأة I النظام الداخلي I ميثاق الأحزاب العربية I الأمانة العامة I المؤتمرات والبيانات الختامية  

 I قائمة أعضاء الأمانة I قسم التوثيق I المكتبة I الوثائق I الببليوغرافيا I الإصدارات IالأحزابI أسماء الأحزاب الأعضاء        دليل الأحزاب العربية I أخبار الأمة I مخيم شباب الأحزاب I الأحزاب المشاركة Iالبيانات الختامية I الإصدارات I استفسارات   المنتدى I اتصل بنا I يوميات الأمانة العامة I أنشطة وأخبار I مواقف و أراء I أخبار الأحزاب