انقضى العام الأول من عمر الاحتلال الأنجلو أمريكي
الصهيوني للعراق دون أن يرى الشعب العراقي أن من الأهداف والمنجزات
الزائفة التي ادعاها الاحتلال واتخذها مبررات واهية لعدوانه بدءاً من
العثور على أسلحة الدمار الشامل وانتهاء بالحرية والديمقراطية بل على
النقيض من ذلك أمعن في المواطنين والوطن تقتيلا وتدميراً ونهباً للنفط
والثروات.
لكن هذا العام سجل أهم حدثين سينجزان يقيناً معركة
تحرير العراق ويحققان دحر الاحتلال والاستعمار العسكري التكنولوجي
التدميري وإنقاذ العراق بل والمنطقة من نهب عصابة المحافظين الجدد من
رجال بوش و الخلاص من التغلغل الصهيوني الذي أطلق بوش يده في العراق
ولا سيما في الشمال في خطوة استراتيجية على طريق شعار المشروع الصهيوني
"حدودك يا إسرائيل من النيل إلى الفرات".
أما هذان الحدثان فهما انطلاق المقاومة الوطنية
المسلحة ضحى اليوم التالي لسقوط بغداد، واستمرار تصاعدها الذي يذكره في
كل عملية بأصالة الشعب العراقي وإبائه ورفضه القاطع للاحتلال مهما
تمادى قي جبروته، وأن هذه المقاومة لن تهدأ أو تستكين حتى يخرج مذموماً
مدحوراً.
وثاني هذين الحدثين هو النجاح الباهر لـ (خوسيه
ثاباتيرو) الذي قاد حزبه المظاهرات المليونية ضد شن الحرب على العراق
وضد مشاركة اسبانيا فيها والتي بلغت 90% من السكان هذا النجاح الذي
أطاح بأزنار الذي كان الضلع الثالث في مثلث الشر الذي شكله بوش منه ومن
تابعيه بلير - وأزنار فأصبح بذلك زاوية مفتوحة على نذر السقوط المرتقب
وذلك جزاء كل متكبر جبار لا يقيم لشعبه ولا للحق والعدل وزناً أو
حساباً.
وفي هذه المناسبة فإن الأمانة العامة لمؤتمر الأحزاب
العربية تحيي الشعب العراقي العظيم ومقاومته المجيدة وتحيي الشعب
الاسباني الصديق على تصحيح المسار العدواني الذي زجته فيه حكومة أزنار
وتؤكد أن تصاعد المقاومة وتوالي الانهيارات في معسكر الشر ستؤدي حتماً
إلى تحرير العراق وتصويب مسار العلاقات الدولية .
إن هذين الحدثين يؤكدان على أهمية تحصين المقاومة
بتعزيز الوحدة الوطنية، واليقظة الدائمة من الفتن الداخلية عرقياً
وطائفياً وقومياً التي تقع في صلب المخططات الأنجلو أمريكية الصهيونية،
والتي هي السبيل الأبشع لتفريغ المجتمع العراقي من أسباب قوته،
وبالتالي إلى تجزئته وتفتيته.
أما على
المستوى العربي، فإن صمود المقاومة، وانسحاب القوات الاسبانية المرتقب
سيتيح الفرصة لنمو هذه المقاومة من جهة،
ويتيح للعديد من الدول التي أكرهتها الولايات المتحدة على الولوغ في
مستنقع الاحتلال لكي تتحلل من هذا الإذعان من جهة أخرى، وهذان أمران
بمقدار ما هما لصالح العراق وهذه الدول، فهما لصالح الدول
العربية، وبخاصة دول الجوار العراقي العربية منها
والإسلامية، إذ أنهما يخففان عنها الضغوط الأمريكية التي ما كانت
لتتوانى طيلة هذا العام عن الشروع في تنفيذ خارطة الشرق الأوسط
الأمريكية لولا هذه الضغوط.
إن الدول العربية تستطيع اليوم وفي ظل هذه المتغيرات،
فيما هي على أعتاب القمة السنوية تبني مواقف قوية فيما يأتي:
1-
رفض قوي لمشروع الشرق الأوسط الكبير بما يمثله من هدم
للكيان الإقليمي العربي (الأمة- الوطن العربي)، وإعادة رسم له بهوية
غير عربية إسلامية، يحتل فيها الكيان الصهيوني موقع صدارة.
2-
رفض قوي ومطلق للتدخل الأمريكي الوقح والفاضح في الشئون
الداخلية للأقطار العربية بدعوى الإصلاح ولاسيما الإصلاحات الديمقراطية
العامة ورسم السياسات التربوية والتعليمية وصياغة مناهجها.
3-
رفض الضغوط الأمريكية التي أدت بالدول العربية إلى وقف
إسناد الشعب الفلسطيني وانتفاضته الباسلة وتركه وحيدا في مواجهة
البطش الصهيوني، فالفرصة مواتية الآن لنصرته، وإطلاق يد الشعوب العربية
في هذه النصرة.
وبالمقابل فإن على الأنظمة العربية أن تعيد رسم
سياساتها الراهنة تجاه العراق على أسس تضمن للمقاومة العراقية سبل
الدعم والإسناد، وعدم التعاون مع مجلس الحكم، الأمريكي الصنعة والمنشأ،
على حساب القوى الوطنية المقاومة.
وأخيرا فإن أهم دروس الحرب على العراق وسقوطه في قبضة
الاحتلال هو الدرس الذي لم تستوعبه الأمة بعد، أنظمة وشعوباً وهو درس
الديمقراطية والحرية، فهما الركنان الأساسان لحماية الأوطان، ويتأكد
اليوم هذا الدرس في اسبانيا، فلم تكن حكومة أزنار وهي لا تبالي برأي
90% من الشعب الرافض للحرب على العراق إلا حكومة تتشدق بالديمقراطية
فيما تـتـنكب دربها، ولكن النظام الديمقراطي يظل قادرا على تصويب خطئه
لصيانة وطنه.
وستحمل الأيام المقبلة مزيدا من الانتصار للعراق ولشعوب
العالم وستنهار ديكتاتورية إدارات الشر بقيادة بوش لصالح معسكر السلام
وعالم أقل عنفاً وضلالا، وأكثر عدلاً وأماناً.
الأمانة
العامة لمؤتمر الأحزاب العربية
عمان
20/3/2004